يرى الكاتب سيد حسين موسويان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقف أمام فرصة حاسمة لإعادة صياغة سياسته تجاه إيران، بعدما أثبت القصف والعقوبات عجزهما عن تحقيق الأهداف الأمريكية. ويقول إن على ترامب استغلال هذه اللحظة لإرساء إطار شامل للأمن الإقليمي يمكن أن يضع حدًا لعقود من المواجهة.
وشهدت الأيام الأخيرة، وفقًا لميدل إيست آي، تحركات دبلوماسية إقليمية رفيعة المستوى هدفت إلى إحياء المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد توجه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران الشهر الماضي، وتبعته زيارتا وزيري خارجية سلطنة عُمان وقطر، في مسعى للحفاظ على مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في يونيو.
وبحسب مسؤولين إيرانيين، نقلت طهران رسالة موحدة إلى الوسطاء الثلاثة، مفادها أن على واشنطن العودة إلى مذكرة إسلام آباد والعمل على إنهاء الحروب في مختلف الجبهات الإقليمية، باعتبار ذلك أساسًا لاستئناف المفاوضات.
لكن بينما توصلت إيران وعُمان إلى اتفاق لفتح مسار ملاحي مؤقت جديد عبر مضيق هرمز، رفضت واشنطن مقترح طهران للعودة إلى اتفاق إسلام آباد، واستأنفت التصعيد العسكري عبر استهداف منصات إطلاق صواريخ في جزيرة لارك.
وردت إيران بشن هجمات صاروخية على قواعد أمريكية في الأردن، ما عزز دائرة المواجهة وأظهر أن واشنطن لا تزال تعطي الأولوية للضغط والإكراه على حساب الدبلوماسية.
حسابات متعارضة بين واشنطن وطهران
قبل ثمانية أعوام، تخلى ترامب عن الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، والذي اعتُبر على نطاق واسع أبرز إنجاز دبلوماسي للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. لكن مذكرة إسلام آباد تمثل إرث ترامب الدبلوماسي الخاص.
ويرى موسويان أن استعداد واشنطن للتخلي عن اتفاق يحمل توقيع رئيسها الحالي يبعث برسالة أوسع بكثير، مفادها أن الولايات المتحدة لا تتخلى عن إرث الإدارات السابقة فحسب، بل تتخلى أيضًا عن إرثها الخاص، وهو ما يشير بقوة إلى أن واشنطن وصلت إلى نهاية نهجها التقليدي تجاه إيران.
ويصف الكاتب قرار ترامب إطلاق ما سماه «يوم الإنزال الاقتصادي» ضد إيران بأنه هجوم اقتصادي حاسم ونهائي، يهدف إلى تحقيق ما عجزت الدبلوماسية والعقوبات والعمليات السرية والقوة العسكرية عن تحقيقه، عبر استخدام الإكراه المالي.
ويستند استمرار الأزمة الراهنة، بحسب موسويان، ليس فقط إلى تضارب المصالح، وإنما أيضًا إلى اختلاف الحسابات الاستراتيجية بين الجانبين.
وتبدو واشنطن مقتنعة بأن جولات المواجهة العسكرية المتكررة والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية النووية والصاروخية والعسكرية والاقتصادية الإيرانية، إلى جانب فرض أوسع حظر مالي وتجاري في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية، ستجبر طهران في نهاية المطاف على قبول الشروط الأمريكية.
وعكست تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت هذا الافتراض، حين قال إن واشنطن «ستُسقط هذا النظام»، داعيًا حلفاءها وبقية دول العالم إلى الاختيار بين الوقوف مع الولايات المتحدة أو ضدها.
لكن طهران تنظر إلى المواجهة من زاوية استراتيجية مختلفة. ووفق تحليل سمعه موسويان مؤخرًا من أحد الاستراتيجيين الإيرانيين، ترى القيادة الإيرانية الآن أن المواجهة مع الولايات المتحدة تمثل «حربًا وجودية» ستحدد مستقبل إيران والنظام الإقليمي على حد سواء.
ويرى هذا التقييم أن الحرب مع إيران أضعفت الجاهزية العسكرية الأمريكية، واستنزفت مخزونات أسلحة حيوية، وكشفت هشاشة منظومة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، وفرضت تكاليف سياسية متزايدة على ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولذلك تبدو طهران مصممة على الصمود أمام الهجوم الاقتصادي الحالي، وعلى تصعيد المواجهة عسكريًا إذا اقتضى الأمر، بدلًا من قبول ترتيب مؤقت جديد.
وقد تقلل واشنطن من أهمية التحول الأبرز في التفكير الاستراتيجي داخل طهران. إذ يبدو أن عددًا من أركان القيادة الإيرانية الحالية تبنوا ما يصفه الفرس بعبارة تعني «الموت مرة واحدة والنواح مرة واحدة»، وهي عقلية يمكن تلخيصها بالمثل الإنجليزي: «يموت الإنسان مرة واحدة».
وبحسب موسويان، يعتقد هؤلاء بصورة متزايدة أن حسم المواجهة الأساسية مع الولايات المتحدة نهائيًا أفضل من تحمل جيل آخر من العقوبات والتهديدات العسكرية والأزمات المتكررة.
مأزق استراتيجي وغياب طريق واضح للنصر
اعتُبرت مذكرة إسلام آباد في طهران نقطة تحول محتملة، لكن العمليات العسكرية الأمريكية الجديدة، تلتها حملة غير مسبوقة من الحرب الاقتصادية والدعوات العلنية إلى تغيير النظام، عززت قناعة الإيرانيين بأن واشنطن لا تزال مصممة على إسقاط الجمهورية الإسلامية بصرف النظر عن المسار الدبلوماسي.
وينعكس هذا التصور أيضًا في تركيبة القيادة الإيرانية الحالية. وينتمي المرشد الأعلى الجديد إلى جيل تشكل خلال الحرب الإيرانية العراقية، بعدما خدم جنديًا شابًا على الخطوط الأمامية. كما يحمل إرثًا شخصيًا من الصراع الأخير، إذ قُتل والده وزوجته وابنه في عمليات عسكرية أمريكية إسرائيلية.
وفي الوقت نفسه، يضم صناع الاستراتيجية الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب شخصيات نافذة، من بينها رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وهما من القادة المخضرمين في الحرب الإيرانية العراقية، ولا تزال تجاربهما العسكرية تؤثر في الرؤية الاستراتيجية لطهران.
وتكمن القضية الأساسية في أن واشنطن قد تواجه الآن قيادة إيرانية تختلف حساباتها للمخاطر بصورة كبيرة عن الماضي.
ووصلت الأزمة الحالية إلى ما يصفه الاستراتيجيون العسكريون بالمأزق الاستراتيجي. فلا تمتلك واشنطن ولا طهران مسارًا مقبولًا سياسيًا لتحقيق النصر. ورغم قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب الاقتصادية لفترة أطول بكثير من قدرة إيران على تحمل تبعاتها اقتصاديًا، فإن الإكراه وحده لن يحقق على الأرجح الأهداف السياسية الأمريكية أو يجبر طهران على الاستسلام.
وفي المقابل، تحتفظ إيران بقدرة على فرض تكاليف كبيرة على الاستقرار الإقليمي عبر أمن الملاحة في مضيق هرمز، والتصعيد العسكري الإقليمي، وتعطيل أسواق الطاقة العالمية.
وبعبارة أخرى، يستطيع الطرفان إلحاق الأذى بالآخر، لكن لا يمتلك أي منهما القدرة على فرض تسوية سياسية مستدامة بالقوة.
خيار ترامب الحاسم.. الدبلوماسية بدل الاستنزاف
يواجه ترامب الآن خيارًا استراتيجيًا حاسمًا. فقد ترك خلال فترتي رئاسته ثلاث بصمات مختلفة على العلاقات الأمريكية الإيرانية: «الضغط الأقصى»، ومواجهات عسكرية عدة، ومذكرة تفاهم إسلام آباد. ولا يستطيع الحفاظ على المسارات الثلاثة في الوقت نفسه.
ويرى موسويان أن ترامب إذا أراد أن يذكره التاريخ باعتباره الرئيس الأمريكي الذي حقق السلام مع إيران بدلًا من إطالة أمد الصراع، فعليه اختيار إرثه الدبلوماسي الخاص، أي مذكرة إسلام آباد، وتحويلها إلى تسوية شاملة قادرة على إنهاء ما يقرب من خمسة عقود من العداء.
وينبغي أن تركز هذه الصفقة الكبرى في البداية على قضيتين تقودان المواجهة الحالية، أولاهما مضيق هرمز. وبدلًا من ترك الممر الملاحي بؤرة متكررة للتوتر، ينبغي لواشنطن وطهران ومسقط والدول العربية المطلة على الخليج التفاوض على ترتيبات دائمة للأمن البحري تضمن حرية الملاحة، وتنهي المواجهات البحرية، وتعترف بمسؤوليات الدول المشاطئة بموجب القانون الدولي.
أما القضية الثانية فتتعلق بالملف النووي. وبدلًا من إبرام تفاهم سياسي مؤقت آخر يكون عرضة للتغير مع تغير الإدارات، ينبغي للحكومتين التفاوض على معاهدة ثنائية تتعهد إيران بموجبها بالتخلي الدائم عن الأسلحة النووية، مع الحفاظ على حقوقها القانونية والمعترف بها دوليًا في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وفي المقابل، ترفع الولايات المتحدة بصورة دائمة العقوبات المرتبطة بالملف النووي.
ومن شأن تصديق الكونجرس الأمريكي والبرلمان الإيراني على المعاهدة أن يمنحها قدرًا أكبر من الاستمرارية السياسية، وهو ما افتقدته الاتفاقات السابقة.
وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، فشلت تقريبًا كل الاستراتيجيات الرئيسية التي اتبعتها الولايات المتحدة، من الانخراط والحوار والعقوبات والضغط الأقصى والعمليات السرية والاغتيالات المستهدفة وسياسات تغيير النظام، وصولًا إلى ثلاث حروب، في تحقيق سلام مستقر.
أما الاستراتيجية الكبرى الوحيدة التي لم تخضع لاختبار جدي، فهي الدبلوماسية الشاملة الهادفة إلى بناء علاقة أمريكية إيرانية مستقرة وسليمة على المدى الطويل.
ويرى موسويان أن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بما إذا كان الإكراه قد وصل إلى حدوده، لأن ذلك حدث بالفعل، بل بما سيأتي بعده.
فالبديل عن الدبلوماسية ليس النصر، وإنما حرب استنزاف طويلة تهدد بتدمير البنية التحتية الحيوية في إيران وإسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع، وتعميق عدم الاستقرار الإقليمي، وتعطيل أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية، وزيادة تقويض الأمن الدولي.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن وطهران تمتلكان الرؤية الاستراتيجية والشجاعة السياسية لاغتنام ما قد يكون فرصتهما الأخيرة لاستبدال المواجهة الدائمة بسلام مستدام.
ويعتقد الكاتب أن ترامب أمام فرصة نادرة لصناعة إرث تاريخي. إذ يستطيع المساعدة في إنشاء إطار شامل للأمن والتعاون الإقليمي بين إيران والدول العربية المطلة على الخليج، بما يحول إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا إلى قاعدة أكثر استقرارًا لأمن الطاقة العالمي.
كما يمتلك ترامب فرصة فريدة لتسهيل تفاهم استراتيجي بين إيران وإسرائيل، لا يعني بالضرورة تطبيع العلاقات الدبلوماسية، وإنما إقامة ترتيبات مستدامة يتوقف بموجبها الطرفان عن التهديدات العسكرية والأمنية والوجودية المتبادلة، واستبدال مفهوم «الردع الدائم عبر الأزمات» بـ«ردع مستقر قائم على الاتفاق».
ومن شأن تحقيق هذه الأهداف أن يشكل أكثر من مجرد اختراق دبلوماسي؛ إذ قد يؤدي إلى إعادة هيكلة جوهرية لمنظومة الأمن في الشرق الأوسط، بما يحقق فوائد طويلة الأمد للاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية والمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/iran-war-trump-can-continue-same-failed-policies-or-shape-historic-legacy

